فخر الدين الرازي

143

المطالب العالية من العلم الإلهي

وإن كان الثاني ، لزم أن يكون الفاعل مستكملا بذلك الإيجاد « 1 » . وقد أبطلناه . الوجه الخامس : هو أن الإيجاد يستلزم حصول الحاجة إلى المأكول والمشروب وغيرهما . فإذا أعطى الخالق تعالى المحتاج إليه ، فقد حصل الاستغناء بالشيء . أما إذا لم يوجد ، فقد حصل الاستغناء عن الشيء . لكن الاستغناء عن الشيء أفضل من الاستغناء « 2 » بالشيء . وبدليل : أن الاستغناء عن الشيء من صفات اللّه [ تعالى ] « 3 » والاستغناء بالشيء من صفات العباد ، وما كان صفة للّه تعالى فهو أكمل ، مما كان صفة للعباد . وإذا ثبت هذا ، فالحاصل عند العدم هو الاستغناء عن الشيء . والحاصل عند الوجود [ هو ] « 4 » الاستغناء بالشيء . وقد ثبت : أن الأول أفضل من الثاني . فيلزم : أن يقال : الإيجاد يوجب تفويت الأكمل ، ويوجب حصول الأخس والأرذل ، وإذا كان كذلك ، امتنع كون الإيجاد إحسانا إلى المخلوق . الوجه السادس : أن نقول : إن الوجوه الخمسة السالفة ، إنما نذكرها ، لو قدرنا : أن كل ما اشتهاه الإنسان وأراده ، ومال طبعه إليه ، يكون حاضرا . وليس الأمر كذلك ، لأنا [ نرى ] « 5 » أن أحوال أهل الدنيا بالعكس من ذلك . فإنا نرى « 6 » أن أكثرهم يكونون في الغموم والهموم ، والأحزان والمخاوف ، والمتالف والحرق والغرق ، [ والهرم ] « 7 » والعمى والزمانة . وأما في الآخرة .

--> ( 1 ) الحال ( ت ) ( 2 ) استغناء ( ط ، س ) ( 3 ) من ( ت ) ( 4 ) من ( ط ) ( 5 ) من ( ت ) ( 6 ) نرى أكثر الخلق يكونون ( ط ) ( 7 ) من ( ط ، س )